من بورقيبة إلى بن علي .. المدرسة في قبضة السياسة

منتصف الشهر الماضي بدأ مليونا تلميذ في تونس موسماً دراسياً جديداً، يعتبر الثاني بعد ثورة الياسمين 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي

وفق أي منهج سيتم تدريس هؤلاء؟ ووفق أي هوى وعقيدة سياسية سيتم توجيههم مستقبلا؟ هل لروح الثورة حضور في المناهج الجديدة؟ أم أن ثقافة أخرى ستخترقها

للتعليم في البيوت التونسية أهمية بالغة تستأثر باهتمام العائلات على اختلاف مستوياتها الاجتماعية والثقافية والمادية، والسر ينحصر في أن التعليم بتونس إجباري ومجاني منذ استقلال البلاد سنة 1956، الأمر الذي جعله يتحول إلى شريان حياة فعلي تعتمد عليه في تنمية مواردها البشرية لضعف الموارد الطبيعية في تونس.

نشير في هذا الصدد، إلى ثلاثة مفاصل كبرى طبعت نظام التعليم في تونس، بورقيبة أولاً، بن علي ثانياً ثم الثورة. هذا التسلسل التاريخي ليس اعتباطياً ولكنه يعكس تأثير كل حقبة برمزها السياسي على المناهج التربوية، فكيف تحولت المناهج الدراسية إلى دعاية سياسية مبطنة؟ وما الذي تغير في التعليم في تونس قبل الثورة وبعدها؟ يقولون إن الشيطان يكمن في التفاصيل، فلنتتبعها.

ما بين بورقيبة وبن علي

لم يخل عهد الحبيب بورقيبة أول رئيس بعد الاستقلال الذي راهن على التعليم وخصص له ربع ميزانية الدولة وجعله إجبارياً ومجانياً للجميع، من مبالغة في الاحتفاء بصورة المجاهد الأكبر في المناهج التربوية، فكان حضوره طاغياً كرمز للحركة الوطنية قبل الاستقلال. وبعيداً عن التوظيف السياسي للرمز القيادي في التعليم يبقى عهد بورقيبة في رأي البيداغوجيين ورجال التعليم أكثر جودة بكثير من التعليم في عهد بن علي، ولا أدل على ذلك من مكانة تونس في الخارج من حيث الاعتراف بشهاداتها في كل دول العالم.

من ناحية أخرى، حاول بن علي فور وصوله إلى الحكم في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 المحافظة على مجانية التعليم - لكن لم يخل الأمر من دفع مراسم التسجيل في المعهد والجامعات يعتبرها النظام رمزية - لكنه فتح الباب على مصراعيه للتعليم الخاص وعمد بالأخص على تصغير حضور الحبيب بورقيبة في حركة الاستقلال الوطني لتغييبه من الذاكرة الجماعية ومن ذاكرة من لم يعاصر بورقيبة من أبناء هذا الجيل.

الخروج من جلباب بورقيبة

لو نعود إلى كتب التعليم التي اعتمدت في عهد بن علي طيلة فترة حكمه سنرى أنه لم يغير المناهج الدراسية فور وصوله إلى الحكم في 7 نوفمبر 1987 وإطاحته بالزعيم بورقيبة، بل اعتمد التدرج أو بالأحرى وزارة التربية في عهده تدرجت في الخروج من جلباب بورقيبة التعليمي إلى جلباب بن علي، حاول بن علي طمس حضور بورقيبة بوصفه «مجاهداً أكبر» في كتب التاريخ والتربية المدنية المعتمدة في المدارس والمعاهد.

لكن شيئاً فشيئاً غابت صورة بورقيبة وهو يمتطي فرسه من المناهج التربوية لتعوضها صورة بن علي وهو يؤدي اليمين في درس التربية المدنية حول القَسم على سبيل المثال أو النظام الرئاسي، الرئيس يعوض الزعيم، تنافس على الاستحواذ على ذهن التلميذ وهو يافع وتأثيثه تدريجياً

الديكتاتور تجرّع من الكأس نفسها

ومثلما غيّب بن علي صور بورقيبة أتت الثورة التونسية فغيّبت صور بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي من كتب التعليم ومحت مقتطفات من خطبه التي كانت تدرس بالخصوص لتلاميذ الصف الثالث، لتطوي صفحة من الديكتاتورية السياسية التي كانت تتسرب إلى المناهج التربوية بإذن من وزارة التربية وتحت رعايتها.

وفي شهر يونيو/حزيران 2012 وقبل أيام قليلة من انقضاء العام الدراسي نشرت وزارة التربية في تونس قائمة بالمناهج الدراسية التي ستعتمد في السنة الدراسية الجديدة 2012 - 2013، القائمة لم تكشف عن تغييرات عميقة أو تعديلات تذكر كما يتبادر إلى الذهن، فمعظم العناوين بقيت على حالها باستثناء كتب الرياضيات للسنتين السابعة والثامنة من التعليم الأساسي وكتاب علوم الأرض والحياة للسنة التاسعة أساسي.

غياب الخطة التربوية

بعد نحو سنتين تقريباً من قيام الثورة التونسية، يمكن القول إن النظام الدراسي حافظ على شكله العام من حيث المناهج على الأقل، وحتى مراجعة نظام الامتحانات التي كانت مطلباً رئيسياً للنقابيين بعد الثورة لم تجد أذناً صاغية لدى الحكومة المؤقتة، الأمر الذي جعل بعض النقابيين يحذرون مما يسمونه «غياب خطة تربوية واضحة» قادرة على التأسيس للمستقبل.

غابت صور بن علي وزوجته وخطبه في العام الدراسي الفارط وكان «أكبر إنجاز» تربوي تحققه الحكومة الانتقالية في عهد الباجي قائد السبسي عمدت في العام الدراسي 2011 - 2012 إلى نشر 370 عنواناً دراسياً من بينها 28 عنواناً منقحاً و4 عناونين جديدة كلياً لاقتلاع الحشو الحزبي الذي كان مبطناً في كتب التربية المدنية بالخصوص، ففي دروس أداء اليمين أو حقوق المواطن التي تزينها صور بن علي، كان الهدف ليس تلقين التلميذ حقوق المواطنة بل إعداده ذهنياً إلى الانتماء إلى شعب حزب التجمع الدستوري الديموقراطي الحاكم حينها كما يقول متفقدو التعليم الثانوي.

التغيير الجذري

الحكومة الانتقالية لم تكتف باجتثاث فكر التجمع من مناهج التعليم بل قامت بإقالة جميع مديري المعاهد الثانوية لأنهم معينون من قبل نظام بن علي، لكنها فتحت باب المناظرة لمن يرى في نفسه الكفاءة منهم، وبناء على الخبرات والمستوى البيداغوجي والشهادات تمت إعادة تعيين عدد منهم بالفعل على رأس مؤسسات تربوية جديدة دون إقصاء.

غير أن التغيير الجذري الثاني الذي حدث في تونس بعد الثورة يتمثل في استئناف التعليم الزيتوني الأصلي في الجامع الأعظم جامع الزيتونة المعمور بعد حظر دام نصف قرن.

وتعتبر جامعة الزيتونة من أعرق الفضاءات التعليمية في العالم الإسلامي، هذا الجامع الذي تأسس في سنة 79 للهجرة كان أول جامعة في تاريخ الإسلام وكان له دور كبير في نشر الثقافة العربية الإسلامية،اشتهرت الجامعة الزيتونية في العهد الحفصي بالفقيه المفسّر محمد بن عرفة التونسي وابن خلدون المؤرخ وواضع علم الاجتماع.

هذا الإجراء كان موضوع جدل في تونس بين مؤيد ومعارض، حكومة النهضة الإسلامية رأت في شخص وزير الشؤون الدينية أنه «أحد استحقاقات الثورة» وقال عنه راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة «إنه موعد تاريخي يستأنف فيه الإسلام مساره الطبيعي في تونس». وإن قرار بورقيبة بإيقاف التدريس في جامع الزيتونة «قرار خاطئ».

الصراع إلى جامع الزيتونة

عودة التعليم الزيتوني مسألة لا تخل من إشكاليات في تداخل دوري الجامع والجامعة ولا يعرف بعد عن مضمون المناهج التي ستدرس في جامعة الزيتونة هل سيتداخل المضمون الشرعي مع المضمون المدني؟ تاريخ التعليم في هذا الجامع المعمور قبل وقفه من قبل بورقيبة لم يكن يقتصر على النواحي الشرعية بل كان يشمل الرياضيات والعلوم واللغات.

الرهان الثاني يكمن في رغبة تيار ديني فكري متطرف في السيطرة على جامعة الزيتونة التي يخشى أن تتحول إلى فضاء للصراع ربما يحسم في الأيام القادمة.

دور الشباب في التغيير

رياح الثورة التي هبت على تونس قبل سنتين تقريباً لتعصف بنظام حكم مستبد وتأتي بنظام حكم آخر منتخب، كان للشباب المتعلم المتخرج من الجامعات والعاطل عن العمل دور كبير في تأجيجها لتمتد من سيدي بوزيد إلى القصرين وإلى كل أرجاء تونس شمالاً وجنوباً. لكن لا أحد كان يتصور أن هذه الثورة التي أوصلت حزب النهضة إلى دفة الحكم سيكون لها فضل نشر اللغة التركية في تونس، لغة تساءل الكثيرون عن سبب إقرارها من قبل وزارة التربية كلغة ثانية تدرس ابتداء من العام الدراسي الجديد 2012 - 2013 بعد أن كانت اللغة الثانية هي الفرنسية.

ما بين تونس وتركيا

التقارب الفكري الإسلامي بين تونس وتركيا بعد وصول النهضة إلى الحكم أمر جلي، لكن رجال التعليم لم يتخيلوا أن مطالبهم بإصلاح النظام التربوي ككل لجعله أكثر جودة وإعادة تونس إلى مصاف الدول المتقدمة من حيث رفعة شهاداتها، سيتم تأجيلها مقابل الإسراع بإقرار تعلم اللغة التركية وجعلها اللغة الثانية في تونس وهو أمر لم يطلبه أحد.

المفارقة أن ذكر ملحمة الثورة التونسية مثلاً غائب عن المناهج الدراسية الجديدة، غاب بن علي لكن الثورة وفصولها لم تحضر، الأمر الذي أثار حفيظة النقابيين ورجال التعليم والتلاميذ في المدن والقرى التي زفت شهداء الثورة

هو على الأرجح التقارب السياسي الإسلامي بين تونس وأنقرة الذي يلقي بظلاله على المناهج التربوية ليذكرنا بأن كتب راشد الغنوشي على سبيل المثال تلقى رواجاً كبيراً في تركيا، وهي مترجمة إلى اللغة التركية. هذه القضية كثر الحديث فيها في تونس، وأشار المراقبون إلى رغبة تركيا في بسط سيطرتها على دول الثورات العربية وهي تحن إلى ماضيها العثماني في المنطقة.

يبدو أن السياسة لم تخرج كلياً من مناهج التدريس في تونس ولا التعليم انعتق كلياً من الحاكم فيها، يكفي أن تراجع المناهج التربوية لترى بعض ظلالها موجوداً أو يكاد يتسرب.