المناضل لحبيب ثامر سيرة ذاتية و نضالاته في الدفاع عن حقوق الإنسان

 

 

 

ولد الدكتور المناضل التونسي الحبيب ثامر بتونس سنة 1909 و زوال تعليمه الثانوي في المدرسة الصادقية إلى أن أحرز دبلومها ثم سافر إلى فرنسا: تولوز ثم باريس حيث إلتحق بكلية الطب فيهما و تخرج من كلية الطب في باريس حيث تحصل على شهادة الدكتوراه.
طيلة إقامته في باريس نشط الحبيب ثامر في المجال السياسي: حيث إنتخبه طلاب شمال إفريقيا رئيسا لجمعية طلبة شمال إفريقيا سنة 1935 ثم ترأس خلية الحزب الدستوري في فرنسا سنة 1936.
عاد الحبيب ثامر إلى تونس في موفى سنة 1938 التي تميزت بشدة قمع السلطات الإستعمارية للجهود الوطنية المناهضة لفرنسا، و قد إنخرط ثامر في العمل الوطني السري و ترأس الحزب الدستوري رسميا في 08 نوفمبر 1939 و نظم حركة الكفاح ضد المصالح الإستعمارية رغم القمع الاستعماري.

إثر هزيمة فرنسا أمام النازيين سنة 1940، سنحت الفرصة أمام الوطنيين لمزيد دعم نشاطاتهم فتم بعث عدد كبير من الصحف الوطنية التي يشرف على تحريرها و طبعها و توزيعها الوطنيون التونسيون، كما تم تكثيف الإجتماعات داخل القرى و الدشر لمزيد تعبئة الشعب، و قد قاد الحبيب ثامر مظاهرة وطنية لقصر الباي بحمام الأنف و رغم قمع هذه المظاهرة و تشتيتها فإنه نجح في إيصال عريضة للباي تطالبه بالإعلان عن إلغاء الحماية و المطالبة بإطلاق سراح الوطنيين المسجونين.

ألقت السلطات الاستعمارية القبض على الحبيب ثامر إثر هذه المظاهرة و قامت بسجنه لمدة 40 يوما دون محاكمة و القيام بمراقبته و التضييق على حريته إثر خروجه من السجن، و قد حاول الدكتور الحبيب ثامر الخروج خلسة من التراب التونسي و الإتجاه نحو “مصر” إلا أن السلطات الفرنسية نجحت في إلقاء القبض عليه و محاكمته بتهمة التآمر على أن الدولة و كان الحكم السجن 20 سنة و النفي مثلها.

إثر تولي محمد المنصف باي مقاليد الحكم و دخول قوات المحور لتونس تم الإفراج عن الحبيب ثامر في ديسمبر 1942 و سرعان ما أعاد هذا المناضل تنظيم الحركة الوطنية و أصدر جريدة “إفريقيا الفتاة” التي كانت منبرا للدعاية للحركة الوطنية و مناهضة الاستعمار.

و مع وقوع تونس تحت سيطرة الحلفاء في 06 ماي 1943، بدأ الفرسنيين في ملاحقة الوطنيين التونسيين و إتهامهم بالتعامل مع النازيين، ما دفع الحبيب ثامر للسفر خارج تونس فنجح في السفر لإيطاليا ثم ألمانيا ثم فرنسا قبل أن يبحر خلسة نحو إسبانيا التي نجح في الوصول إليها رغم غرق القارب الذي إستعمله و تجاوز الحدود.

الحبيب ثامر

ألقت السلطات الإسبانية القبض عليه و لم تسلمه لحسن حظه للفرنسيين لحدود سنة 1946، تاريخ تلقيه دعوة لمصر التي جابها من أجل التعريف بالقضية التونسية لدى الرأي العام و حشد الدعم اللازم لها و ألف فيها كتاب هذه تونس و قدمه للنوادي و الجمعيات السياسية لتعرفيهم بهوية تونس و تاريخ صراعها مع الاستعمار ثم عينه الحزب لترأس الوفد التونسي المشارك في المؤتمر الاقتصادي الإسلامي بباكستان حيث شهر بالقمع الفرنسي للحركة الوطنية التونسية و دعته الحكومة الباكستانية للقيام بجولة لدعم القضية التونسية في أنحاء البلاد المستقلة حديثا.

و في أثناء رحلة جوية قرب لاهور الهندية سقطط الطائرة المقلة للحبيب ثامر و طويت صفحة الزعيم التونسي شهيد الدفاع عن القضية التونسية في 22 ديسمبر 1949 و قد تم جلب رفات الزعيم و مواراته بمقبرة الجلاز في تاريخ 09 أفريل 1968.


مناضلون وجامعيون يتحدثون عن المناضل الحبيب ثامر

محمّد اليزيدي نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005


نظمت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات امس بمقرها بالشرقية ندوة خصّصت للحديث عن مسيرة المناضل المعروف الدكتور الحبيب ثامر القصيرة زمنيا والثرية في محتواها بالمواقف النضاليّة. وقد استضافت الندوة التي نُظمت بمناسبة احياء ذكرى وفاة المناضل الحبيب ثامر الذي ولد بتونس عام 1909 وتوفي في حادث طائرة في ديسمبر 1949 عددا من المناضلين الذين عاصروه وكانت لهم علاقة مباشرة معه كما استضافت عددا من الباحثين والمؤرخين.
أول الشاهدين والمتحدثين عن مسيرة ثامر هو السيد احمد بن صالح النقابي السابق المعروف والوزير الاول في عصر بورقيبة والذي يقول انه يقرّ بأن هناك شخصيتين قويتين ترأستا الحزب الحرّ الدستوري التونسي هما الحبيب ثامر والطيب المهيري.
والسيد بن صالح عرف ثامر في المدرسة الصادقية وشهد معه فترة غلق هذه المدرسة كما عرفه كاتبا في جريدة افريقيا الفتاة التي كان يديرها المناضل جلولي فارس.
وكانت تربط الرجلين علاقة ثقة وصداقة متينة وكانا يلتقيان احيانا عند المنصف باي.
ويتذكر المتحدث كيف كلفه الحبيب ثامر عندما كان يقود الحزب بالانخراط في جمعية شباب محمد التي أسّسها الالمان ومراقبة ماذا يجري بداخلها ذلك أنه كان يعلم جيّدا ان هذه الجمعية تستغل الدين وانضمام الشبان التونسيين اليها لخدمة أغراض المانيا ومن الذين التحقوا بها الطيب السحباني ومحمد القصّاب وزين العابدين الحجري.
ولم تتوقف علاقة ثامر ببن صالح حسب قوله عند هذا الحد بل انها تمتّنت اكثر عندما تم احداث اذاعة نهج المدرسة الاسرائيلية التي كانت تجمع الرجلين بالمذيع المعروف وقتها البشير نويرة شقيق الهادي نويرة وكان ثامر يترأس هذه الاذاعة.
ويقرّ بن صالح انه تأثر كثيرا بشخصية الحبيب ثامر وفرحات حشاد أما بورقيبة فكانت تفصله عنه مسافة لانه كانت تسكنه مشاعر حب الذات والزعامة.
ويضيف ان التكوين السياسي لثامر كان اعمق بكثير من التكوين السياسي لبورقيبة الذي يرى انه لم يكن لديه مشروع دولة في بداية الاستقلال ولذلك كان بن صالح ضد فكرة ان يتولى بورقيبة الحكم بل كان يفضل ان يتولى بورقيبة رئاسة البرلمان ومراقبة الخطوات الاولى لتأسيس الدولة التونسية على أن يتولى اي شخص اخر في الحزب (الباهي لدغم) تشكيل الحكومة ثم ان تولي بورقيبة رئاسة البرلمان لم يكن ليقلل من شأنه باعتبار ان البرلمان التونسي كان وقتها قويّا جدا ويعكس تعددية حقيقية حيث كان يضم نوابا عن كافة المنظمات الوطنية وكل الحساسيات. وتحدث السيد بن صالح عن مبادرة تهريب المنصف باي وكيف كان ثامر يرفض هذه المبادرة ويرغب في عودة المنصف باي الى تونس وتشكيل حكم ملكي دستوري وحكومة، كما كان يرفض في الوقت نفسه عودة بورقيبة الى تونس عندما سافر الى الخارج حيث كان يتوقع أنه سيدخل في سياسة تهادنية وتفاوضية مع فرنسا في حين كان ثامر يفضل أسلوب الكفاح المسلح. نزعة الكفاح المسلح هذه النزعة للمناضل الحبيب ثامر يؤكدها السيد محمد بن عمارة الناشط والمناضل السابق في الحزب الدستوري التونسي والذي يقول ان معرفته بثامر تعود الى سنتي 1938 و1939 اللتين شهدتا أحداثا دامية ثار فيها الشعب التونسي وتظاهر بقيادة ثامر ضد المستعمر الفرنسي. ويمضي المتحدث في شهادته قائلا إن ثامر اختاره مع أحد رفاقه ليتدرّبا على استعمال القنابل والسلاح ثم تدريب المناضلين. السيد أبو القاسم محمد كرّو المناضل والكاتب المعروف زاد من جانبه في تأكيد هذه النزعة حيث أفاد أن الحبيب ثامر أرسله صحبة يوسف العبيدي والهادي بن عمر الى العراق ليتدربوا على حمل السلاح وحذرهم في المقابل من إخبار بورقيبة بهذا الأمر لأنه سيرفضه باعتباره لا يفضل الكفاح المسلح بل يرى أن الاستقلال لا يمكن أن يتحقق إلا بكثير من العمل السياسي وقليل من الكفاح والعمل المسلح. خلاف بين شخصيتين وتطرق السيد خالد عبيد الأستاذ الجامعي والمؤرخ الى مسألة الخلاف الثامري البورقيبي، فقال ان الخلاف بين الزعيمين قد تجسّم وتوضح في القاهرة حيث كان ثامر متحمّسا كثيرا الى التوجه المغاربي والعروبي بدليل إحداث مكتب المغرب العربي بالقاهرة في حين كان بورقيبة أقل تحمسا لهذا التوجه والنفس وإن الاختلاف في هذه النقطة واحتكاك الرجلين في القاهرة زاد من حدّة الخلاف بينهما وهو ما دعا ثامر الى الدعوة لعقد مؤتمر سنة 1947، وكان بورقيبة وقتها في أمريكا وعقد المؤتمر لاعتقاد ثامر بأن حضور بورقيبة سيفسد كل شيء ليس لعدم ايمان بورقيبة بالبعد والنفس العروبي المغاربي ولكن بسبب نزعة حب الذات والزعامة التي كانت تسيطر على بورقيبة. واختتم المتحدث بالقول إن خلاف ثامر وبورقيبة مرده اختلاف في شخصية الرجلين بالأساس فثامر كان يعتبر الحبيب بورقيبة المرجع الأوحد والأعلى والزعيم الروحي ورسائله الى بورقيبة تؤكد ذلك.
كي لا ننسى مائوية المناضل الشهيد الحبيب ثامر قهوة الخميس الصباح نشر في الصباح يوم 18 - 06 - 2009


يبدو أن عام 1909، تاريخ حاسم واستثنائي في ذاكرة تونس الإصلاحية والثقافية والنضالية الوطنية.ذلك أن سنة 1909 فأل خير على تونس إذ زفت لها العديد من المبدعين ومن الكفاءات المهمة التي تمثل من أبرز عناصر النخبة التونسية التجديدية والمنتجة للأفكار من جهة والمجسدة لمقولات العمل والتجاوز والوطنية الصادقة والإبداع الحر والخلاق من جهة أخرى. ولم يرزقنا عام 1909 بأبي القاسم الشابي وبالعلامة محمد الفاضل ابن عاشور وبعلي الدوعاجي والهادي الجويني فقط بل أن هناك أيضا في القائمة شخصية ذات أهمية قصوى ،ساهمت في صنع تحرر تونس من محنة الاستعمار وعُرفت بإحساسها العميق بشعبها حتى أنها أي هذه الشخصية- اختارت أن تكون قضيتها الأولى والأخيرة الدفاع عن الشعب التونسي وحقه في تقرير المصير ومنحت هذه القضية العقود الأربعة التي عاشتها. إنه الدكتور الراحل الحبيب ثامر (1909-1949)،الذي يصفه البعض بمهندس المقاومة المسلحة ضد الاستعمار ويلقي عليه البعض الآخر ومنهم الباحث عبد الجليل التميمي لقب قديس الحركة الوطنية في تونس لِما عرف به من صدق وتفان غير نفعي من أجل تحرير تونس من الاستعمار ووحشيته. لذلك فإن للدكتور الحبيب ثامر أكثر من دين نحونا وأولها أن لا يُنسى وأن يأخذ حقه من الاعتراف والتكريم .بل أنه في إحياء ذكرى مئوية ميلاده احتفاء بالمناضلين كافة وتحفيزا للشباب كي يتعرفوا على رموز تونس وصانعي تحررها وتألقها. وفي هذا السياق لعله من المهم أن نتحلى بشيء من العدل ( على صعوبة ذلك) في استحضار انجازات رموزنا وأعلامنا وأن لا نركز على أسماء دون أخرى والحال أن ما تعيش فيه تونس اليوم من حداثة ومن انتصار ساحق على الأمية ومن أمن واستقرار ومستوى حياتي لائق هو نتاج جهود سابقة وراهنة لعدد كبير من المناضلين والغيورين الوطنيين والمجتهدين في المجالات كافة. من هذا المنطلق وفي إطار مبادرات رد الاعتبار والرؤية القائمة على المصالحة مع الرموز الوطنيّة ،نعتقد أنه من حق الدكتور الحبيب ثامر علينا أن نحتفل بمرور مئة عام على تاريخ ميلاده (هناك تضارب في المراجع حول تاريخ ميلاده: 4أفريل أو 9ماي 1909) ويمكن للتجمع الدستوري الديمقراطي أو معهد الحركة الوطنية أن يضطلعا بمهمة إحياء مائوية رجل وهب حياته وانتهى شهيدا من أجلها. والمقصود بإحياء مائويته هو تناول نضاله وأفكاره ومزيد التوقف عند كتابه "هذه تونس" وهو الكتاب الذي أظهر فيه الحبيب ثامر وتحديدا في الفصل المتعلق بالحركة الوطنيّة التونسيّة أنه رجل موضوعي لا يزهق جهد غيره مترفعا كما ذكر المؤرخ الراحل حمادي الساحلي عن حسابات الحزبية الضيقة . وكما هو معروف ،فإن الدكتور الحبيب ثامر متخرج من كلية الطب في باريس ومتخصص في فن الطب الاجتماعي . وعلى المستوى النضالي نشط في "جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين" وكان من أشد المنتقدين لمحاولات المستعمر في تهميش اللّغة والثقافة العربيتين في تونس وبقية الأقطار المغاربية فكتب المقالات وقدم الخطب منددا بالسياسة الاستعمارية وبواقع التعليم والثقافة والحياة الاقتصادية. كما أنه من باعثي شعبة طالبية دستورية بباريس في عام 1938 وما إن عاد إلى تونس حتى التحق بعناصر لجنة المقاومة الوطنية الدستورية السرية . وبسبب الأعمال المزعجة والمقلقة التي قام بها صحبة رفاقه ضد السلطة الاستعمارية والمظاهرات التي قادها ومقالات الاحتجاج والتنديد التي كتبها ،تمت إحالته على المحكمة العسكرية الفرنسية التي أصدرت ضده حكما بالسجن مدة 20عاما إلا أنه فلت من هذه العقوبة. واعترافا له بالوطنيّة الجارفة والنضال غير المحدود ،أُنتخب في 17أكتوبر 1948رئيسا مساعدا للحزب الدستوري الجديد وهي خطة تعكس درجة الثقة وحجم المصداقية التي حظي بها الحبيب ثامر. ولكن لماذا أطلقت عليه صفة الشهيد؟ بكل بساطة لأنه مات شهيد الدفاع عن قضية تونس حيث أنه على إثر تعيينه لتمثيل تونس في المؤتمر الاقتصادي الإسلامي، الذي عقد في كراتشي العاصمة الباكستانية وأثناء قيامه بجولة داخل باكستان حيث عقد الندوات ووزع وثيقة تشرح القضية التونسية بأكثر من لغة ...على إثر هذه الجولة التي ركز فيها على مزيد التعريف بالقضية التونسية، لقي حتفه في 13 ديسمبر 1949 عندما اصطدمت الطائرة بقمة جبل من جبال باكستان. لذلك فإنه من واجبنا إزاء هذا المناضل أن نخصص له الحيز الذي يستحق لمقاربة دوره ونضاله وتكريمه في ذكرى ميلاده المئة خصوصا أن الاستعدادات في بعض الأقطار المغاربية (في مدينة طنجة المغربية وفي الجزائر) جارية حاليا لتكريم الدكتور الحبيب ثامر.