• شارك على:

نشأة وتطور وتحديات الحركة الحقوقية في تونس

 

نشأة وتطور وتحديات الحركة الحقوقية في تونس

تونسيون يقدمون شكاوى رسمية عن انتهاكات في ظل نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، شباط/فبراير 2017 © EPA

مؤلف

Asma Nouira

أسماء نويرة

 

 

 سبتمبر 2017

 

 

 

  • ملخَّص

نشأت الحركة الحقوقية في تونس في أواسط السبعينيات. وتأسس اول نشاط منظم مع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1977. وظلت الرابطة المنظمة الوحيدة الناشطة في الحقل الحقوقي طوال عشر سنوات، وتركّز عملها على الحقوق المدنية والسياسية رغم تبنيها لجميع الحقوق التي نصت عليها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وذلك نظرًا لطبيعة المرحلة التي نشأت خلالها والتي اتسمت بالاستبداد السياسي. وكانت الرابطة منذ نشأتها ملاذ النشطاء السياسيين بمختلف مشاربهم الإيديولوجية والسياسية، فاختلط السياسي بالحقوقي رغم حرص المؤسسين على فصل المجالين. وأثّر هذا التداخل على الرابطة في عدة مناسبات، كوضع الميثاق أو انتخابات الهيئة المديرة. ومنذ نهاية الثمانينيات ظهرت منظمات أخرى لحقوق الإنسان، إلى جانب الرابطة، سواء ذات طابع محلي أو دولي. واعتبر الناشطون في الحقل الحقوقي سواء في الرابطة أو غيرها من الجمعيات معارضين لنظام الحكم رغم تطور الخطاب الرسمي في مجال حقوق الإنسان، فتمت ملاحقة الناشطين والتضييق على عمل المنظمات. وشكّل 2011 لحظة فارقة في تاريخ الحركة الحقوقية التونسية التي تأثرت بمختلف التغييرات التي عرفتها البلاد في إطار تجربة الانتقال الديمقراطي، إذ عرف المجتمع المدني برمته إعادة هيكلة أهلته للعب دور أساسي في هذه المرحلة، وتبوأ عدد من نشطاء حقوق الإنسان و”ضحايا النظام السابق” مواقع في السلطة. ومن جهة أخرى، ظهرت منظمات جديدة ناشطة في مجال حقوق الإنسان بمضامين جديدة كالدفاع عن حقوق الأقليات العرقية والجنسية، كما أصبح للحقوق الاجتماعية والاقتصادية مكانة مركزية في نشاط عدد كبير من هذه الجمعيات. وبسبب الطريق الذي تطورت عبره وسياقها الحالي تواجه حركة حقوق الإنسان التونسية عدة تحديات منها علاقتها بالمجال السياسي، والهوة الجيلية بين النشطاء، وقضايا الحوكمة الداخلية للمنظمات.

اقرأ المزيد

نشأت الحركة الحقوقية التونسية، مثلها مثل معظم حركات حقوق الإنسان في العالم، في أواسط السبعينيات من القرن الماضي مع ولادة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، رسميًا، في مايو 1977. وولدت الحركة في ظل نظام الرئيس السابق الحبيب بورقيبة الاستبدادي الذي قلص كل أشكال المعارضة الجدّية تدريجيًا، ثم تطورت الحركة في ظل نظام تصاعدت فيه سيطرة المؤسسات الأمنية بعد تولي الرئيس زين العابدين بن علي في انقلاب أبيض في عام 1987، رغم ادعاءات بن علي وزمرته الحاكمة بشأن تطوير الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

ومرّ مجال حقوق الإنسان، من حيث المضمون ومن حيث الفاعلين، في تونس بعدة مراحل منذ دخول مقولات حقوق الإنسان في المجال العام حتى قبل الاستقلال حيث أسست الحركة الوطنية مطلبها التحرري على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها مستندة إلى المواثيق الدولية.1على سبيل المثال أرسل الحزب التونسي، الذي أصبح الحزب الدستوري فيما بعد ـ بمذكرة إلى مؤتمر باريس للصلح وتحديدًا إلى الرئيس الأمريكي وودرو ولسون، للمطالبة بتطبيق مبدأ حرية الشعوب في تقرير مصيرها على الحالة التونسية، وأيضًا للمطالبة ببقية الحقوق التي نصّ عليها الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر سنة 1789. وغيّبت دولة الاستقلال، منذ 1956، حقوق الإنسان بسبب تركيز النخبة الحاكمة لمشروع البناء الوطني بقيادة بورقيبة على أولوية القضاء على رواسب الاستعمار، وتبنّيها لمشاريع تنمية فوقية، ونظرتها إلى المجتمع بصفته لا يتحمل "الاختلاف في الرأي والاحتكام للممارسات الديمقراطية".2نور الدين الدفي (2016)، "تونس من الإيالة إلى الجمهورية 1814-2014"، تونس: المنشورات الجامعية بمنوبة. ص 220. وشهدت الحريات العامة والسياسية تضييقًا كبيرًا وخصوصًا حرية التنظيم في شكل أحزاب وجمعيات وحرية التعبير والرأي. وعرفت تونس نظام الحزب الواحد من بداية الستينيات مع حظر الحزب الشيوعي سنة 1963 إلى حدود بداية الثمانينيات بمناسبة الانتخابات التشريعية لسنة 1981، حيث أُرسيت تعددية حزبية محدودة في إطار نظام الحزب المهيمن. وفي تلك الفترة سيطرت الدولة على وسائل الإعلام لحد الاحتكار ولاحقت كل من حاول التعبير عن رأي مخالف.

وقد تبلور خطاب سياسي رسمي إيجابي تجاه حقوق الإنسان منذ نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، في أول عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وذلك نظرًا لحرص النظام السياسي الجديد على تقديم نفسه، في الداخل والخارج، كنظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان. وفي الواقع، اتسم موقف النظام من حقوق الإنسان بالازدواجية حيث صادق على مواثيق دولية لحقوق الإنسان وأنشأ هياكل رسمية مختصة ووزع جوائز سنوية لحقوق الإنسان،3أنشأ الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي جائزة لحقوق الإنسان في 1993 جرى منحها في احتفال سنوي باليوم العالمي لحقوق الإنسان. وفي نفس الوقت قام بالتضييق على الحريات وتتبُّع النشطاء السياسيين واحتجازهم وتعذيبهم ومقاضاتهم في محاكمات غير عادلة وسجنهم. ورغم ما واجهته الحركة الحقوقية من صعوبات في مواجهة النظام السياسي، فإنها واصلت النضال من أجل أن يتمتع المواطن التونسي بحقوق الإنسان، خاصة أن أغلب هذه الحقوق كانت متضمنة في دستور 1959.

وتغيرت الخريطة السياسية التونسية بشكل درامي بعد 14 يناير 2011، حيث دخلت البلاد في مرحلة انتقال سياسي وانفتاح ديمقراطي. وانعكس هذا التحول على الحركة الحقوقية التونسية التي حكمتها متغيرات جديدة ليس أقلها تغير مواقع نشطاء حقوق الإنسان وانتقالهم من المعارضة في بعض الحالات إلى المسك بزمام السلطة ومواقع القرار، بل أيضًا بات الفضح والكشف والتوثيق وظائف أقل أهمية من اقتراح السياسات ومشروعات القوانين ومناصرة مؤسسات جديدة وهياكل مختلفة في ظل قبول واضح لدور المجتمع المدني والحقوقي في المجال السياسي.

وعمومًا مر المجتمع المدني التونسي برمته بتحولات هيكلية ووظيفية في ظل التحرر السياسي والقانوني الذي عرفته البلاد بعد انتفاضة 2011، مما أدى بشكل أو بآخر إلى التوسّع في مضامين حقوق الإنسان. فبعد أن كانت الحريات العامة والسياسية (حرية التنظيم والرأي والصحافة والتعبير والتجمهر على سبيل المثال) والحرمة الجسدية في ارتباطها بموضوع التعذيب من أولويات منظمات حقوق الإنسان، تحوّل الاهتمام بعد 2011 إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحريات الفردية. كما أن مسألة التعذيب لم تعد تخصّ المعارضين السياسيين على وجه الخصوص، بل أصبحت تشمل أيضًا المتهمين في قضايا الحق العام.

في المقابل، فرض هذا الواقع تحديات جديدة أهمها معارضة قوى اجتماعية وأحزاب إسلامية التوجه بعض الحقوق والحريات من جهة، وتنامي ظاهرة الإرهاب من ناحية أخرى. فالسلفيون، سواء كانوا جماعات أو جمعيات أو أحزابًا، انتقدوا حرية التعبير بحجة أنها تفتح الباب أمام الاعتداء على المقدسات كما رفضوا إدراج حرية الضمير في الفصل السادس من دستور 2014.4حافظ علياني،"الأحزاب السياسية بين استنكار الاعتداء على الإبداع واستنكار الاعتداء على المقدسات"، 14 يونيو 2012، الصحافة اليوم، الرابط goo.gl/nwV2Ut وقد وجدت هذه الدعوات صدًى لها داخل المجلس الوطني التأسيسي حيث دافع نواب الحزب الإسلامي، النهضة، عن هذا الموقف وطالبوا بإدراج فصل لحماية المقدسات. كما تبنى الإسلام الرسمي (مفتي الجمهورية والمجلس الإسلامي الأعلى) نفس المطالب وطالبوا المجلس بتعديل الفصل السادس وحذف حرية الضمير التي تعني بالنسبة إليهم تخلي الدولة عن حماية الإسلام وتسهيل "الارتداد عن الدين" أمام المسلمين.5رجب بن محمد، "لأنه يجرم التكفير ويدعم نشر المفاسد والإلحاد: أئمة تونس وشيوخها ينتفضون رفضًا للدستور الجديد"، موقع إيلاف، 26 يناير 2014، elaph.com/Web/news/2014/1/870892.html أما مسألة الإرهاب فقد أثارت مجددًا المقابلة بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان وهي مقابلة تعاني عادة من جدل سطحي ومثير للشقاق.

وسنركز في هذه الورقة على دراسة المجتمع المدني الحقوقي، بمختلف مكوناته منذ نشأته، والنظر في تطوره في إطار التحولات التي عرفتها الظروف السياسية في مختلف مراحل التاريخ السياسي لتونس المستقلة التي عرفت ثلاث محطات كبرى للنظام السياسي، بداية من عهد بورقيبة الأبوي وبناء الأمة مرورًا بعهد بن علي حين سيطرت المؤسسات الأمنية وصولًا للتحولات الكبرى لما بعد انتفاضة 2011.

أولًا: نشأة الحركة الحقوقية في ظل حكم بورقيبة (العشرية الأولى:1977-1987)

تمثّل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أول منظمة في هذا المجال في تونس، وهي من بين أوائل المنظمات على المستوى العربي والإفريقي، فقد تأسست سنة 1976 "من قبل جماعة من المستقلين والمعارضين المعتدلين".6المنصف المرزوقي، 1997، "المهمة الصعبة لحركة حقوق الإنسان في تونس"، في "تحديات الحركة العربية لحقوق الإنسان"، القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ص 149. ويعتقد المنصف المرزوقي أن الدولة قبلت، بعد مماطلة، بنشأة الرابطة "نتيجة الضغط الذي كانت تمارسه آنذاك إدارة (الرئيس الأمريكي جيمي) كارتر التي جعلت من حقوق الإنسان أحد أهم محاور سياستها، وأساسًا للتنفيس بأقل ثمن ممكن عن الغليان الكبير داخل المجتمع التونسي ... (حيث كان) قبول السلطة برابطة حقوق الإنسان حسب ظنها أقل ضررًا من القبول بحزب سياسي معارض يكسر الاحتكار السياسي للحزب الحاكم." 7المرجع السابق، ص 150.

وقامت مجموعة من الديمقراطيين الاشتراكيين والليبراليين المستقيلين من الحزب الحاكم،8غير الحزب الحاكم في تونس اسمه من الحزب الدستوري الحر إلى الحزب الاشتراكي الدستوري في سنة 1964 ثم تغير الاسم مرة أخرى في 1988، في العام التالي لتولي بن علي الرئاسة، ليصبح التجمع الدستوري الديمقراطي. الذي تحول أسمه إلى الحزب الاشتراكي الدستوري في عام 1964، بتقديم طلب ترخيص إلى وزارة الداخلية لإنشاء الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان يوم 22 مايو 1976. وأمام سكوت السلطات الذي يعتبر رفضًا ضمنًا من الناحية القانونية، قامت هذه المجموعة بإحداث "لجنة الحريات" برئاسة الحسيب بن عمار، وزير الدفاع السابق. وتقدمت هذه اللجنة بقضية لدى المحكمة الادارية للطعن في القرار، وفي نفس الوقت أرسلت بعريضة ممضاة من قبل خمسمائة شخص إلى رئيس الجمهورية تطالب بالسماح بانعقاد ندوة حول الحريات وحقوق الإنسان. أما على الصعيد الخارجي، فقامت بحملة دولية في عدة عواصم أوروبية إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية للضغط على الحكومة التونسية. ولمس وزير الداخلية حينها الطاهر بلخوجة مدى تأثير هذه الحملة على الرأي العام الدولي خلال زيارة لواشنطن آنذاك. وبعد معارضة، قرر الوزير الأول الاعتراف بالرابطة بعد مفاوضات حول تركيبة الهيئة التأسيسية المتركبة من 22 عضوًا من بينهم سبعة أعضاء منتمين إلى الحزب الحاكم.9Souheyr Belhassen (2004), “La LTDH ou la Gestion du Paradoxe”, Confluences Méditerranée, No. 51, pp.105-6.

وجمعت الرابطة تيارات فكرية وسياسية مختلفة بل ومتعارضة ولكنها، سويًا، شكلت قطب صراع دار بينها من جهة وبين نظام الحكم/الدولة من جهة أخرى. وصارت الرابطة واستمرت على مدى تاريخها ملاذ النشطاء السياسيين، وحلت، إلى حد ما، محل أحزاب السياسية محظورة أو غير قادرة على العمل بحرية.10Larbi Chouikha and Eric Gobe, (2009), “Les Organization de Defense des Droits de l’Hommedans la Formule Politque Tunisienne : Acteurs de l’Opposition ou Faire Valoir du Régime ?”, L;Année du Maghreb, Dossier: S’opposer au Maghreb, p. 165. واختار مؤسسو الرابطة منذ البداية تأسيس منظمتهم في إطار ثقافة ديمقراطية تقوم على قبول التعددية الفكرية، وذلك بادعاء أنهم يحملون "رسالة حضارية إنسانية هي كسب لكل وطني ولكل إنسان، وهي رسالة بعيدة عن الحزبية والتعصب والتمييز ضد الإنسان بكل أشكاله... فحقوق الإنسان، أينما كان، كل لا يتجزأ. ورسالة كهذه تتطلب تكاتف الجهود وتعبئة كل قوى الخير المؤمنة بحقوق الإنسان وكرامته... لذا فالرابطة مفتوحة أمام كل الطاقات الوطنية الإنسانية الخيّرة."11أنظر كلمة سعدون الزمرلي رئيس الرابطة التونسية في "وقائع المؤتمر السنوي الثاني للرابطة - نزل اميلكار، تونس، يومي 23 و24 مارس 1985"، ص2. وهكذا جمعت الرابطة، إضافة إلى النقابيين والمستقلين، تيارات سياسية مختلفة من بينها الدستوريون واليساريون والإسلاميون والقوميون، الذين ينتمون إلى أحزاب وجماعات سياسية مختلفة أغلبها محظورة وتعمل في كنف السرية. وضمت الرابطة في البداية شخصيات من الحزب الحاكم والحزب الشيوعي المحظور12أسس الحزب الشيوعي في تونس عدد من الماركسيين الأوروبيين الوافدين بعد الحرب العالمية الأولى. وانشقت نخبة تونسية داخل الحزب سنة 1937 لتؤسس الحزب الشيوعي التونسي. وحظر النظام الحاكم الحزب الشيوعي وأنشطته سنة 1963 واعتقل عددًا من قياداته. ورُفع الحظر عن الحزب سنة 1981. انظر وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين.13تأسست مجموعة الديمقراطيين الاشتراكيين في السبعينيات كجناح معارض داخل الحزب الدستوري الحاكم للمطالبة بالانفتاح السياسي وبالديمقراطية داخل الحزب. وشملت المجموعة الباهي الأدغم وحسيب بن عمار والباجي قايد السبسي. ولم تحصل المجموعة على التأشيرة القانونية لإنشاء حزب حتى عام 1981عندما سمح بورقيبة بالتعددية. انظر: فايز سارة (1986)، "الأحزاب والحركات السياسية في تونس 1932-1984"، دمشق: فايز سارة. ص 10.

وشهدت تونس في السبعينيات تأسيس فصائل سياسية يسارية مختلفة14من أهم المجموعات اليسارية آنذاك آفاق والعامل التونسي والشعلة. وتأسست آفاق بداية الستينيات في فرنسا على يد طلبة وأساتذة مهاجرين وضمت تيارات ماوية وتروتسكية وماركسية وناصرية وبعثية. وأدي عدم التجانس الأيدولوجي إضافة الى الملاحقة الأمنية والاعتقال والتعذيب الى تفكك آفاق. وأسس عدد من أعضاء آفاق السابقين من التيار الماوي ومنهم محمد الشرفي وخميس الشماري المقيمين بفرنسا حركة العامل التونسي بينما أسس التيار الماركسي اللينيني حركة الشعلة لكنها لم تدم طويلًا وخلفتها حركة الوطنيين الديمقراطيين (الوطد). انظر حول هذه التيارات: إبراهيم العمري (2016)، "حرية تكوين الأحزاب السياسية من خلال الخطاب السياسي الرسمي والتنقيحات الدستورية (1987- 2002)"، رسالة دكتوراه في العلوم السياسية، تونس: كلية الحقوق والعلوم السياسية. وفي نهاية العقد تأسست حركة الاتجاه الإسلامي التي صار اسمها حركة النهضة منذ 1988.15Hermassi Elbaki (1989), “L’Etat tunisien et les islamistes”, Annuaie de l’Afrique du Nord, Tome XXVIII, pp. 298-308. وانخرط إسلاميون في الحركة الحقوقية في عام 1982 ومنهم صلاح الدين الجورشي الذي ينتمي إلى اليسار الإسلامي أو الإسلاميين التقدميين في تونس، وهي مجموعة انفصلت عن حركة الاتجاه الإسلامي سنة 1981 رفضها انخراط الحركة بالعمل السياسي، ودعت إلى العمل على المستوى الفكري ومراجعة الموروث الديني.16حول هذا التيار انظر: صلاح الدين الجورشي (2015)، "الإسلاميون التقدميون"، تونس: دار رؤية للنشر. أما حركة الاتجاه الإسلامي فقد تمثلت في الهيئة المديرة سنة 1985 من خلال سحنون الجوهري المنتمي لهذه الحركة التي عرف مناضلوها موجة من الاعتقالات منذ سنة 1981.17هرب الجوهري، أحد مناضلي حركة الاتجاه الإسلامي، من تونس سنة 1981 إثر موجة اعتقالات وانخرط بفرع فرنسا لمنظمة العفو الدولية سنة 1982 ثم انضم للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، فرع السيجومي، بعد عودته لتونس سنة 1984 ثم التحق بالهيئة المديرة للرابطة في العام التالي. ومات الجوهري في السجن في عام 1995 بسبب المعاملة السيئة والإهمال الطبي. ورغم هذا التوجه القائم على الانفتاح على مختلف التيارات السياسية، لم تعرف الرابطة منذ نشأتها سوى رؤساء من التيارات اليسارية.18رؤساء الرابطة منذ النشأة: 1977-1989: سعد الدين الزمرلي، أحد مؤسسي حركة الديمقراطيين الاشتراكيين - 1989-1989: محمد الشرفي، أحد مؤسسي مجموعة آفاق اليسارية - 1989-1994: المنصف المرزوقي (يساري) - 1994-2000: توفيق بودربالة (يساري) - 2000-2011: مختار الطريفي (يساري) -2011-2016: عبد الستار بن موسى (يساري) -منذ 2016 : جمال مسلم (مستقل)

وكان للانفتاح على السياسة ثمنا آخر بسبب ضيق النظام الحاكم به كما سنرى فيما بعد.

لم تكن مختلف التيارات الإيديولوجية قبل إنشاء الرابطة تعير أهمية كبيرة لمسألة حقوق الإنسان، بل ورفضها البعض، إذ نظرت لها بعض فصائل اليسار الماركسي على أنها "مجرد ملهاة تمارسها البورجوازية لإبعاد الكادحين عن جوهر الصراع الطبقي وإقامة الاشتراكية"، وبالنسبة للإسلاميين فقد كانوا آخر من أدرك أهمية تبني المنظومة الحقوقية، وإن كان الجدل لا يزال مستمرًا في صفوفهم حول بعض جوانبها.19صلاح الدين الجورشي،"رابطة حقوق الإنسان والسلطة: وفاق صعب ... ولكنه ليس مستحيلًا"، الحوار نت، 10 يونيو 2010، الرابط    goo.gl/1aJZZc

وسعت الرابطة دائمًا إلى تأكيد استقلاليتها عن السلطة السياسية من ناحية وعن كل تبعية سياسية من ناحية أخرى، وهو ما أكده رئيس الرابطة سعد الدين الزمرلي خلال المؤتمر الوطني عندما قال أن الرابطة "إطارًا للتحالف بين الأحزاب السياسية ولا مجالًا مفتوحًا للتنظيمات السياسية تمارس فيه نشاطها. ولا يكون الانخراط في الرابطة إلا بعنوان شخصي"20الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، (1985)، "التقرير الأدبي للمؤتمر الوطني الثاني للرابطة المنعقد بنزل أميلكار يومي23 و24  مارس 1985"، ص 12. وكانت عضوية الرابطة مفتوحة أمام كل شخص يؤمن بضرورة الدفاع عن حقوق الإنسان وتكريسها مهما كان انتماؤه السياسي، حتى لو كان عضوًا في الحزب الحاكم. ولكن في حقيقة الأمر كان هناك شبه اتفاق غير مكتوب على تمثيل متناسب للقوى السياسية المختلفة وهو اتفاق أدى إلى مشاركة عدد محدد من الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في الهيئة التأسيسية. وكان هناك تقاسم سياسي للمناصب الرئيسية وخاصة في الهيكل الإداري الأعلى للرابطة. وحافظ كثير من نشطاء حقوق الإنسان على انتمائهم ونشاطهم في أحزاب وتيارات سياسية مختلفة، بينما نظرت المؤسسات الأمنية إلى بعضهم بصفتهم معارضين سياسيين للنظام بسبب عملهم الحقوقي. وتعرض عدد من نشطاء الرابطة للملاحقة والسجن، من بينهم محمد الخميلي الكاتب العام لفرع قفصة وبلقاسم العيساوي رئيس فرع سيدي بوزيد.21"لائحة حول محاكمة مناضلين من الرابطة" (1985)، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، 1985، مرجع سابق الذكر، ص 47.

وأدار الرابطة هيئة مديرة مؤلفة من 25 عضوًا تنتخبهم الجلسة العامة.22الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، (1985)، "القانون الأساسي"، الفصل 13. وينتظم أعضاء الرابطة في فروع محلية، توافق الهيئة المديرة على انشائها بناء على طلب المشتركين الذين لا يجب أن يقل عددهم عن خمسين عضوًا.23الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، (1985)، "النظام الداخلي"، الفصلين الثالث والرابع. وسرعان ما توسعت الرابطة لتغطي مناطق عديدة حتى شارك 24 فرعًا في مؤتمر الرابطة في سنة 1982، ويمارس كل فرع مهام الرابطة في حدود دائرته الجغرافية.24الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (1985)، "النظام الداخلي"، الفصل السابع.

وتستند الرابطة في بلورة مفاهيمها على ثلاثة روافد متكاملة، وهي "الرافد التاريخي المتمثل في المبادئ التحررية في قيم حضارتنا العربية الإسلامية"، وما نص عليه الدستور التونسي من حريات، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.25ديباجة ميثاق الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وقد وردت هذه الروافد الثلاثة في ميثاق الرابطة الصادر سنة 1985. وتمت صياغة هذا الميثاق بعد نقاشات معمقة، وحادة أحيانًا، بين مختلف التيارات الفكرية والإيديولوجية التي تكوّن المنظمة. وواجهت الرابطة، عند وضعها لميثاقها الأول سنة 1985، مشكلة المقابلة بين كونية حقوق الإنسان التي آمنت بها وقامت على أساسها من جهة، وبين الخصوصية العربية الإسلامية التي تتبناها التيارات الإسلامية والقومية الممثلة بها من جهة أخرى.

وشملت مطالب الحركة الحقوقية، منذ البداية، حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية باعتبارها "كلًا لا يتجزأ"، فجعلت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان هدفها "الدفاع والمحافظة على الحريات الاساسية الفردية والعامة للإنسان المنصوص عليها بالدستور التونسي وقوانين البلاد وبالتصريح العالمي لحقوق الإنسان”.26الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (1985)، "القانون الأساسي"، الفصل الثاني. ونص ميثاق الرابطة لسنة 1985 على كل هذه الحقوق ولكن تركيزها على الحقوق تفاوت حسب الظروف السياسية. فمن المطالب الأساسية التي نادت بها الرابطة في كل أزمة سياسية تحدث في البلاد إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والمطالبة بالعفو التشريعي العام. وشكّل التعذيب أحد الانتهاكات الرئيسية التي ناضلت ضدها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وتكونت من أجلها جمعيات أخرى لاحقًا، مثل الجمعية التونسية لمناهضة التعذيب والجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين (والأخيرة ذات توجه إسلامي).

ونظّمت الرابطة التونسية سنة 1980 اليوم العالمي لحقوق الإنسان تحت شعار "العفو التشريعي العام" حيث شكّل هذا العفو أحد المطالب الرئيسية والأساسية، وما فتئت الرابطة تطالب بهذا العفو في كل اجتماع مجلس وطني تعقده. وتكمن أهمية العفو التشريعي العام في أنه الآلية القانونية الوحيدة التي تضمن لمن تعرض للمحاكمة السياسية العودة إلى الحياة الاجتماعية واسترجاع حقوقه المدنية بما فيها الحق في الشغل، كما يخوّل للمغتربين السياسيين العودة إلى البلاد. ولم تستجب السلطات في عهدي بورقيبة وبن علي لهذا المطلب. وكان إطلاق سراح المعتقلين السياسيين يتم بمقتضى عفو رئاسي أو إجراء سراح شرطي أو عفو تشريعي خاص. ولم يتم إقرار العفو التشريعي العام إلا بعد ثورة 2011 حيث كان من القرارات الأولى التي اتخذتها حكومة محمد الغنوشي المؤقتة. وشمل هذا العفو كل من تعرض للمحاكمة السياسية قبل 2011.

ودافعت الرابطة التونسية عن حق المواطن في الإعلام الحر وعن حرية الصحافة وحرية التنظيم في شكل جمعيات وأحزاب، خاصة أن المجتمع المدني والسياسي كانا يعانيان الكثير من التضييق. ومن بين الحقوق التي دافعت عنها الرابطة التونسية حقوق المغتربين وظروف عملهم والحصول على جوازات السفر وظروف التجنيد بالنسبة للخدمة العسكرية، كما أنها دافعت عن حرية العقيدة وناهضت كل أشكال التمييز العنصري أو الديني. وقامت الرابطة التونسية برصد الانتهاكات والتحقيقات القضائية في هذه المسائل وذلك منذ نشأتها، فقامت بالتحقيق والرصد في الانتهاكات التي وقعت خلال المواجهات بين قوات الأمن وعمال الاتحاد العام التونسي للشغل في 26 يناير 1978 وما تلتها من محاكمات سنتي 1978 و1979،27في 26 يناير 1978 (ويعرف أيضًا بالخميس الأسود) نظم الاتحاد العام التونسي للشغل إضرابًا عامًا للاحتجاج على تردي الأوضاع الاقتصادية وفشل السياسات الليبرالية المتبعة منذ بداية السبعينيات. وقمعت قوات الأمن والشرطة العمال المتظاهرين بقسوة ووقع مئات القتلى والجرحى. وكانت العلاقات متأزمة بين اتحاد الشغل والحزب الدستوري الحاكم حيث نأى الاتحاد بنفسه بعيدا عن الحزب واستقال أمينه العام الحبيب عاشور من اللجنة المركزية للحزب. وكذلك في أضطرابات قفصة سنة 1980،28في ليلة 26 يناير 1980، قام 60 مسلحا ينتمون لجماعة تونسية ذات ايدولوجية قومية عربية وبمساعدة من نظام معمر القذافي في ليبيا بمهاجمة مراكز أمنية وحيوية بمدينة قفصة بالجنوب التونسي ودعوة السكان إلى التمرد. وباءت المحاولة بالفشل بعد مقتل عدد من قوات الأمن والمتمردين واعتقال عدد من أعضاء المجموعة وإحالتهم إلى محكمة أمن الدولة. ونُفذ حكم الإعدام في 18 شخصًا في 17 إبريل 1980. ومظاهرات الخبز سنة 1984،29في يناير 1984 انتظمت احتجاجات شعبية واسعة في انحاء تونس بعد الإعلان عن رفع أسعار الطحين. ورغم إعلان الطوارئ ومنع التجمهر تواصلت المظاهرات وأُحرقت حافلات وسيارات ومنشآت ووقعت مواجهات مع قوات الأمن وسقط قتلى وجرحى من المتظاهرين في ولايات عدة. ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد قرار بورقيبة إلغاء الزيادات. مع التركيز على مناهضة التعذيب والأوضاع في السجون.

ومثلت حقوق المرأة أحد شواغل الحركة الحقوقية التونسية، وشاركت نساء بشكل فعال في إدارة الرابطة سواء من خلال الهيئة المديرة أو من خلال اللجان، وخصوصًا تلك المتعلقة بشؤون المرأة. وكانت الرابطة هي المنظمة الأفريقية والعربية الوحيدة التي شاركت في مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في نيروبي سنة 1985 لتقييم عشرية المرأة. كما تم تخصيص المادة الثامنة من ميثاق الرابطة للحديث عن مجلة الأحوال الشخصية باعتبارها "مكسبًا حضاريًا وخطوة هامة في سبيل تدعيم حرية المرأة."30الرابطة التونسية للدفاع عن الحقوق الإنسان، 1985، "الميثاق"، المادة الثامنة.

ولم تقتصر الرابطة التونسية على الدفاع عن حقوق المواطن التونسي وحرياته، حيث ساندت القضية الفلسطينية وتضامنت مع منظمة التحرير الفلسطينية في إطار حق تقرير المصير، كما نظمت حملة تضامن مع الشعبين الفلسطيني واللبناني ضد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982.

ويرجع المرزوقي نجاحات الرابطة في الثمانينيات ليس فقط لاعتدالها وقدرتها التكتيكية في التغلب على تناقضات الاختلافات السياسية بين الفئات المكوّنة لها وذلك عن طريق التزامها المبدئي بحقوق الإنسان وفقا لمرجعية الشرعة الدولية، ولكن أيضًا بسبب "ضعف ثم انهيار الأحزاب الديمقراطية المعارضة وضرب الحركة النقابية وهو ما جعل الرابطة تتشكل كملجأ لكل الديمقراطيين وكقلعة تدافع عن قيم الحرية عندما استطاعت الدولة الشمولية ابتداء من التسعينيات استرجاع كل المواقع التي خسرتها في الثمانينيات نتيجة هرَم الرئيس بورقيبة وضعف الحزب الحاكم وانتشار المنظمات والحركات الديمقراطية وتصاعد الموجة الإسلامية."31المرزوقي، مرجع سابق، ص 151.

ويثير المرزوقي وغيره إشكالية رئيسية مسّت تقريبًا كل منظمات حقوق الإنسان العربية فيما يخص علاقتها بالدولة من جهة وعلاقتها بالمعارضة السياسية وبقية المجتمع المدني من ناحية أخرى. ففي نهاية المطاف يخاطب فاعلو حقوق الإنسان الدولة والسلطات من أجل الامتناع عن انتهاك الحقوق السياسية أو المدنية، أو من أجل العمل على ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولكنهم لا يسعون إلى السيطرة على مؤسسات الدولة عن طريق الصراع السياسي بل عن طريق دعم ومناصرة ونقد الفاعلين السياسيين، أو كما يقول المرزوقي في توصيفه لكيف ينبغي أن تكون العلاقة بين المنظمة الحقوقية والدولة: "رديف للقوى الإصلاحية بداخله."32المرجع السابق، ص 155. وحيث افتقر نظام بن علي في أغلب سنواته لوجود مثل هذه القوى الإصلاحية داخله كانت العلاقة مع الدولة صراعية بالدرجة الأولى وخاصة في التسعينيات.

ومن حيث كون الرابطة التونسية خليطًا من توجهات سياسية مختلفة، فقد أدى هذا لخلافات متتالية حتى أن أول ميثاق للرابطة لم يصدر سوى عام 1985 أي بعد ثماني سنوات من نشأة الرابطة، وتخلل التصديق عليه خلافات عميقة أبرزها معارضة الإسلاميين لأربعة بنود رئيسية تتعلق بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة وحرية المعتقد والحدود والتبني. ورغم المصادقة على الميثاق بصيغة أقرب إلى مقررات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإن الخلاف ترك "شروخًا داخل جسم الرابطة". 33المرجع السابق، ص 152-3. ولم يحل تبني الرابطة لمبدأ الاستقلالية دون استعمالها كحلبة صراع بين السلطة السياسية من جهة والمعارضة السياسية من جهة أخرى، بل وبين فئات المعارضة المختلفة وبعضها سياسيًا، وهو ما تجلى مثلًا في الخلاف الحاد الذي ضرب الرابطة بخصوص غزو العراق للكويت في 1990.

وأخيرًا، شكلت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان النواة الأولى والرئيسية للحركة الحقوقية التونسية التي تستند في مبادئها ونشاطها إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ودافعت عن مجموعة واسعة من الحقوق بطرق مختلفة، وهو ما ميزها عن منظمات أخرى كانت تدافع عن حقوق بعينها كالاتحاد العام التونسي للشغل الذي يدافع عن حقوق الطبقة الشغيلة والاتحاد النسائي الذي جسد نسوية الدولة.

 ثانياً: تطور الحركة الحقوقية في ظل حكم بن علي (1987-2011)

عرف النظام السياسي في بداية هذه الفترة نوعًا من الانفتاح والتحرر السياسي تجسد عبر وضع أول قانون للأحزاب سنة 1988 وإمضاء الفرقاء السياسيين على الميثاق الوطني والعفو عن المساجين السياسيين. كما تصدرت حقوق الإنسان منذ بداية التسعينيات خطب الرئيس السابق بن علي.34انظر خطبة بن علي بتاريخ 9 ديسمبر 1989 و7 نوفمبر 1992، "خطب وبيانات وكلمات زين العابدين بن علي"، تونس، نشرة الوزارة الأولى سنوات 1989 و1992. وصادقت الدولة على عدد من اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية.35تمت المصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية، دون تحفظات، بمقتضى القانون 79 المؤرخ 11 يوليو 1988. وأنشأت الحكومة الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية في يناير 1991 وهي أول هيكل رسمي يُعنى بحقوق الإنسان في تونس.36الأمر 54 في 7 يناير 1991 المتعلق بالهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الفردية، الرائد الرسمي عدد 3 ، 11 يناير 1991، ص 43. ومهمة الهيئة العليا ان تقدم المشورة لرئيس الجمهورية لدعم وتطوير حقوق الإنسان. وفي يونيو نفس العام تم تعيين مستشار لدى رئاسة الدولة مهمته متابعة سياسة الدولة في مجال حقوق الإنسان ودعمها، وإعلام رئيس الجمهورية بواقع حقوق الإنسان في البلاد وإبداء الرأي في الجانب التشريعي المتعلق بهذا المجال سواء على مستوى القوانين الداخلية أو على مستوى التصديق على الاتفاقيات الدولية.37علالة مراد (1996)، "مؤسسات حقوق الإنسان في العالم العربي"، مذكرة شهادة الدراسات المعمقة في العلوم السياسية، تونس: كلية الحقوق والعلوم السياسية، ص 57. وينسق هذا المستشار عمله مع وحدات حقوق الإنسان التي تم إنشاؤها بعدد من الوزارات وعلى رأسها وزارة الداخلية.38هذه الوزارات هي الداخلية والخارجية والعدل والشؤون الاجتماعية. وتمثل هذه الخلايا همزة وصل بين الدولة والمواطنين حيث تتلقى الشكاوى وتجيب عنها، ومن المفترض أنها تسيّر العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني. وأضيفت عبارة "حقوق الإنسان" إلى اسم وزارة العدل في أواسط العقد الأول من هذا القرن. وأُدرجت مادة حقوق الإنسان في برامج الدراسة الجامعية مهما كان الاختصاص، وشاركت تونس في العديد من المؤتمرات الدولية في هذا المجال واستضافت عددًا منها. وتطورت المنظومة التشريعية في مجال حقوق الإنسان شيئًا فشيئًا. إذ تمّ إلغاء الأشغال الشاقة من سلّم العقوبات الأصلية بمقتضى القانون عدد 3 المؤرخ في فبراير 1989. وأضيف الفصل 101 مكرر إلى المجلة الجنائية بمقتضى قانون عدد 89 المؤرخ في أغسطس 1999 الذي يقرّ جريمة التعذيب ويعرفها تماشيًا مع ما ورد باتفاقية مناهضة التعذيب.

ويندرج إحداث هذا الكم من الهياكل الرسمية التي تعنى بحقوق الإنسان في عهد الرئيس السابق بن علي في إطار الحرص على تقديم صورة إيجابية لتونس في المحافل الدولية كدولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتعمل على تطويرها.39Khiari Sadri et Olfa Lamloum, “Tunisie : des elections en trompe-l’oeil”, Politique Africaine 1999/4, n° 76 p. 106-15. وفي هذا السياق، سعى النظام السياسي الجديد إلى استقطاب بعض مناضلي حقوق الإنسان رغم تواصل الملاحقات، كما سمح بتعدد المنظمات الحقوقية.

1- نشطاء حقوق الإنسان بين الاستقطاب والملاحقة

عمل النظام السياسي، خصوصًا مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، على استيعاب الناشطين في مجال حقوق الإنسان فيما بدا أنه محاولة لتقليص المعارضة السياسية لنظام الحكم الذي بدا منفتحًا وديمقراطيًا في أول عهده، ثم بدأ في الميل نحو الاستبداد شيئًا فشيئًا، فتمّ على سبيل المثال، تعيين محمد الشرفي، رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان على رأس وزارة التعليم سنة 1989. وأصبحت الرابطة عضوًا بالهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية من بين المنظمات الأعضاء التي تُعنى بحقوق الإنسان، لكن مع تجنّب أن يكون الشخص الممثل للرابطة في الهيئة من المعارضين السياسيين لنظام الحكم.

وتواصلت المضايقات بالتوازي مع محاولات الاستيعاب للناشطين في مجال حقوق الإنسان وخاصة الرابطة التونسية. وعقب شهر عسل لم يدم سوى سنوات قليلة تفجرت الأزمة بين الحكومة والإسلاميين وقامت أجهزة الأمن بملاحقتهم ومحاكمتهم إثر الإعلان عن محاولة انقلاب سنة 1991. وهكذا، باستثناء الاتحاد العام للشغل، لم تعد هناك من قوة منظمة في المجتمع المدني تؤرق نظام بن علي سوى أولئك العاملين في حقوق الإنسان، فعمدت السلطة السياسية، سنة 1992، إلى تغيير قانون الجمعيات وإعادة تصنيف الرابطة التونسية لحقوق الإنسان على أساسه، بحيث يسهل اختراق هذه المنظمة من قبل أعضاء جدد موالين للحكومة.

وقسم قانون 1992 الجمعيات إلى تخصصات محددة: النسائية، والرياضية، والعلمية، والثقافية والفنية، والخيرية، والإسعافية والاجتماعية، والتنموية، وأخيرًا، الجمعيات ذات الصبغة العامة.40قانون أساسي عدد 25 لسنة 1992 مؤرخ 2 أبريل 1992 يتعلق بإتمام القانون عدد 154 لسنة 1959 المؤرخ في 7 نوفمبر 1959 المتعلق بالجمعيات، ص 411. وأضيفت إلى هذا الفصل فقرة تتعلق بهذا الصنف الأخير وتنص على أنه "لا يمكن للجمعيات ذات الصبغة العامة أن ترفض انخراط أي شخص يلتزم بمبادئها وقرارتها إلا إذا كان فاقدًا لحقوقه السياسية والمدنية أو كانت له أنشطة وممارسات تتنافى وأهداف الجمعية". وإذا وقع خلاف حول حق الانخراط، يمكن لطالب الانخراط أن يرفع دعوى لدى المحكمة الابتدائية الكائن بدائرتها مقر الجمعية. وأصدرت وزارة الداخلية قرارًا، في 14 مايو 1992، يقضي بتصنيف الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان كجمعية ذات صبغة عامة، مما يعني أنه فُرض على الرابطة قبول عضوية من يطلبها، مما كان له أن يؤدي عمليًا إلى انخراط عدد كبير من الموالين للسلطة السياسية، وبالتالي قلب موازين القوى داخل الرابطة وإفقادها القدرة على اتخاذ مواقف نقدية حيال النظام الحاكم.

وبادرت الرابطة إلى الطعن في قرار وزير الداخلية أمام المحكمة الإدارية لعدم دستوريته. وأصدرت هذه الأخيرة حكمها بإلغاء قرار التصنيف بعد أربع سنوات من رفع الدعوى، فأصبح بإمكان الرابطة انتقاء منخرطيها، بشكل نهائي. ولكن هذا لم يمنع السلطة السياسية من مواصلة التضييق على الرابطة وعرقلة تنظيم مؤتمراتها السنوية. وبعد مؤتمر 1994 لم تتمكن الرابطة من عقد مؤتمرها الخامس إلا سنة 2000 الذي ألغي بحكم قضائي. وبدأت القضية إثر الإعلان عن نتائج انتخابات الهيئة المديرة حيث عمد أربعة مرشحين، محسوبين على الحزب الحاكم، لم يفوزوا بالانتخابات إلى رفع دعوى طعن قضائية في النتائج، ممّا أدى إلى تجميد نشاط الرابطة ووضعها تحت الادارة القضائية منذ ٢٧ نوفمبر 2001. ومُنعت الرابطة من عقد مؤتمرها السادس وأحيلت إلى القضاء ثلاث مرات بين عامي 2000 و2009.41عمارة بن رمضان، 2011، "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان"، تونس: دار محمد علي الحامي، ص20.

وزادت حدة الملاحقات في نهاية العقد الأول من القرن الحالي خصوصًا بعد احتجاجات الحوض المنجمي (2008)، فتعرض عدد من النشطاء المنتمين إلى مختلف المنظمات الحقوقية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، منظمة حرية وإنصاف، المجلس الوطني للحريات، الخ.) للمساءلة بطرق غير قانونية. وعملت السلطات الأمنية على منع النشطاء المحليين من الاتصال والتعامل مع المنظمات الإقليمية والدولية، والتضييق على هذه الأخيرة في تحرّكاتها في تونس. فتمّ، على سبيل المثال، التحقيق مع جلولة عزونة في نوفمبر 2009 بعد استقباله لوفد الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان في منزله. وتمت ملاحقة هذا الوفد لمنعه من القيام بالعمل الميداني ولقاء نشطاء حقوق الإنسان أو ضحايا الانتهاكات.42الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، "بيان: حملة من الاعتداءات والملاحقات تطول عددًا من النشطاء الحقوقيين بسبب زيارة وفد الأورومتوسطية"،17 نوفمبر 2009، موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، الرابط  www.anhri.net/tunisia/ltdh/2009/pr1117.shtml

وسرق مجهولون مقرات بعض المنظمات الحقوقية ومكاتب بعض المحامين الحقوقيين الناشطين وشمل هذا مقر الرابطة التونسية سنة 2010 حيث سُرقت بعض محتوياته وخصوصًا الوحدة المركزية للكمبيوتر المخزن فيها وثائق الرابطة.43الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، "بيان: مقر الرابطة يتعرض للخلع والسرقة"، 8 فبراير 2010، موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسانwww.anhri.net/tunisia/ltdh/2010/pr0208.shtm وشنت بعض الصحف، بإيعاز من السلطات الأمنية، حملة تشويه للنشطاء السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان نالت من أعراضهم واتهمتهم بالخيانة والعمالة.

وإضافة إلى الملاحقات الأمنية، عمدت السلطة إلى التضييق على الجمعيات الحقوقية من حيث التمويل، حيث اعتمدت جمعيات حقوق الإنسان غير الموالية للسلطة على التمويل الأجنبي نظرًا لعدم حصولها على دعم مالي من الدولة شأن بقية الجمعيات، إلا أن السلطات ضيقت عليها حتى لا يتسنى لها الاستفادة من هذه الأموال، وذلك عن طريق البنك المركزي الذي جمد أرصدة جمعيات أو منع وصول التحويلات إليها. فعلى سبيل المثال، تمّ، في مناسبتين منع منحة من الاتحاد الأوروبي للرابطة التونسية، إحداهما كانت مخصصة لإقامة مركز توثيق وإرشاد قانوني على مستوى مركزي وأخرى من أجل دعم الفروع.44التقرير السنوي للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، 2003، الشبكة العربية لحقوق الإنسان، anhri.net/tunisia/ltdh/pr040000.shtml وطالما استغل النظام الحاكم التمويل الخارجي لمنظمات حقوق الإنسان لتشويه سمعتها واتهامها بالعمالة والخيانة وبالاستقواء بالأجنبي. ففي مجلس وزاري بحضور رئيس الجمهورية تم بثه في النشرة الرئيسية للأنباء سنة 2009، طعن رئيس الجمهورية في وطنية مناضلي حقوق الإنسان واتهمهم بتشويه تونس في الخارج والحقد على بلادهم.45شاهد فيديو اجتماع الرئيس السابق بن علي على الرابط التالي goo.gl/mYyF8G

2- منظمات أخرى تنضم للرابطة في النضال من أجل حقوق الإنسان

مع بداية عهد الرئيس السابق بن علي، في أواخر الثمانينيات، ربطت نسويات تونسيات بين النضال من أجل حقوق المرأة والمطالبة بدمقرطة النظام وكانت هذه بداية تبلور حركة نسوية جديدة من خارج نسوية الدولة، وهي الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، تعتبر المساواة التامة والفعلية بين الجنسين وتكافؤ الفرص شرطًا أساسيًا لتحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن الديمقراطية الحق هي التي تضمن الحريات العامة والخاصة وتكفل الحقوق والكرامة في الفضاء الخاص كما في الفضاء العام.46كان موقع الجمعية وأدبياتها متاحة على الرابط التالي femmesdemocrates.org.tn/ar/ ولكنه توقف عن العمل اثناء انهاء هذه الورقة ويمكن مراجعة صفحة الجمعية على الفيس بوك وهي  www.facebook.com/femmesdemocrates

وتأسست هذه الجمعية في سبتمبر 1989 على يد عدد من النسويات الناشطات بشكل مستقل منذ عدة سنوات عن المنظمة النسوية الرسمية (الاتحاد الوطني للمرأة). وتعود بداية نشاط هؤلاء النسويات إلى نادي دراسة قضايا المرأة بالنادي الثقافي الطاهر حداد سنة 1978 ولجنة دراسة قضايا المرأة العاملة بالاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1982. وأصدرت هؤلاء النسويات مجلة "نساء" من أجل بث الوعي بالقضايا النسوية سنة 1983. ونشطت المؤسِّسات ضمن لجنة المرأة بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان منذ 1985. وتنتمي مؤسسات الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إلى التيار اليساري، بعضهن مستقلات بينما تنتمي أخريات إلى الحزب الشيوعي. وقد حرصن على عدم التداخل بين العمل الحزبي والنشاط في الجمعية وأكدن على استقلالية جمعيتهن عن كل حزب سياسي.47مقابلة مع السيدة سعاد التريكي إحدى مؤسسات جمعية النساء الديمقراطيات بتاريخ 27 ديسمبر 2016. ورغم ذلك فقد كن مصنفات ضمن المعارضات لنظام الحكم في عهد بن علي حيث كان لهن رصيد نضالي فيما يتعلق بالقضايا السياسية عامة. وأعلنت الجمعية، من بين أهدافها، العمل على فصل الدين عن الدولة مما وضعها في مواجهة فكرية وإيديولوجية مع التيار الإسلامي. وأعلنت الجمعية أنها تعمل من أجل "مناهضة النظام الأبوي والقضاء على كافة أشكال التمييز بين الجنسين ومناهضة كافة أشكال العنف المسلط على النساء وتطوير خطاب نسوي علماني تقدمي وتعميمه من أجل بناء تونس على أسس من الكرامة والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية." وشملت مطالب الجمعية المساواة في الإرث وحرية المرأة في اختيار القرين مثلما جاء في الاتفاقيات الدولية، وهو ما يعني إمكانية زواج المسلمة بغير المسلم، وهو أمر ما زال محظورا للنساء المسلمات كلهن تقريبا في البلدان ذات الأغلبية المسلمة. وأسست هؤلاء النسويات، في يناير 1989 جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية والتي ضمت مجموعة من الباحثات المهتمّات بإنتاج معرفة نقدية حول أوضاع النساء في تونس والعمل من أجل دعم المشاركة الفعلية للمرأة في التنمية على مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.48موقع الجمعية:  www.afturd-tunisie.org/a-propos/

أما في مجال رصد انتهاكات حقوق الإنسان وخاصة مسألة التعذيب، وفي سياق انغلاق المجال السياسي وتلاحق موجات القمع ضد الإسلاميين في بداية التسعينيات، واليساريين بعد ذلك، وفي ظل التضييق على الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بدأت تتأسس تباعًا منظمات حقوقية لرصد انتهاكات حقوق الإنسان والتضييق على الحريات العامة والفردية، فتأسس سنة 1998 المجلس الوطني للحريات بتونس من قبل ناشطين بالرابطة من بينهم المنصف المرزوقي ومصطفى بن جعفر وسهام بن سدرين. كما أسست راضية النصراوي، المحامية وزوجة زعيم حزب العمال الشيوعي التونسي حمة الهمامي، سنة 2003 الجمعية التونسية لمناهضة التعذيب. أما الإسلاميون، فقد أسسوا سنة 2001 المنظمة الدولية لمساندة المساجين السياسيين، وكان بين المؤسسين القيادي بحركة النهضة والمحامي سمير ديلو. وأسس محمد النوري، أحد ناشطي الحركة ال >