• شارك على:

في الذكرى الواحدة والثمانين لأحداث 9 أفريل 1938_ الذكرى والعبرة قراءات في الاحداث

يُحي الشعب التونسي يوم 9 أفريل من كل سنة ذكرى عزيزة على جميع التونسيّين، ألا وهي ذكرى عيد الشهداء حيث سقط يوم 9 أفريل 1938 برصاص المستعمر الفرنسي، 22 قتيلا وقرابة 150 جريحا، كانوا يتظاهرون من أجل إطلاق الحرّيات العامة ويطالبون بـ "برلمان تونسي" و "سقوط الامتيازات"... ومنذ شهر أفريل 1957 قرّرت حكومة الاستقلال أن يكون يوم 9 أفريل يوم عيد وطني رسمي يتمّ الاحتفاء به في كامل أنحاء البلاد التونسية ثمّ إقراره يوم عطلة رسميّة خالصة الأجر وذلك إلى غاية اليوم.

ونقف في هذا المقال عند هذه المحطة النضالية الوطنية الهامة وذلك باستعراض أسبابها البعيدة والمباشرة وأطوارها ونتائجها وتداعياتها على النضال الوطني بتونس ضد الاستعمار والعبر والدروس التي يمكن أن نستخلصها منها.

مواجهات بحجم انتفاضة

الأسباب البعيدة

ساهم ميلاد الحزب الدستوري الجديد في 02 مارس 1934 في نموّ الحركة الوطنية التونسية وتجذرها، لا سيّما بعد خروج زعمائه من منفاهم ببرج البوف في مارس 1936 - قبيل وصول حكومة الجبهة الشعبية إلى الحكم بفرنسا في مارس 1936 وإعلانها  سلسلة من الإجراءات لفائدة التونسيّين تتمثل في دعم الحرّيات العامة والإذن بحرّية التعبير والصحافة والتنظّم والاجتماع...، على يد المقيم العام الجديد "أرمون قيّون" Armand Guillon" الذي حلّ محلّ الطاغية "مارسال بيروطون" Marcel Peyrouthon" في مارس 1936. غير أنّه بسقوط حكومة الجبهة الشعبيّة في ماي 1937، تنكّرت فرنسا لوعودها وعادت "ريمة إلى سياستها القديمة".

وعلى ضوء تلك المستجدّات قرّر الحزب الدستوري الجديد "خلق" مناخ مناسب للاضطرابات والمظاهرات الاحتجاجية ضد السلطات الاستعمارية. ففي يومي 4 و 5 مارس 1937 حصلت احتجاجات عمالية في منطقة الحوضي المنجمي بالمتلوي والمظيلّة واجهتها السلطات الفرنسية بالرّصاص الحيّ، سقط على إثرها 23 شهيدا (20 بالمتلوي و 03 بالمظيلّة). وفي 2 أوت 1937 انتظم اجتماع نقابي بالماتلين أشرف عليه الممثّل الجهوي لجامعة عموم العملة التونسيّين ورئيس الشعبة الدستورية، حسن النوري (1905-1939)، أقرّ القيام بإضراب احتجاجي، واجهته القوات الفرنسية بإطلاق النار على المتظاهرين، فاستشهد الكاتب العام للنقابة ورئيس شعبة الماتلين، البشير بن محمّد سعيد. وبين 31 أكتوبر و 2 نوفمبر 1937، انتظم المؤتمر الثاني للحزب بنهج التروبينال بالعاصمة الذي تغلّبت خلال أشغاله رؤى الشقّ المتصلّب الذي تزعّمه كل من: الحبيب بورقيبة وسليمان بن سليمان والهادي نويرة والمنجي سليم وعلي البلهوان ومحمود بورقيبة ويوسف الرويسي على رؤى ومواقف الشق المعتدل الذي تزعمه كل من محمود الماطري والطاهر صفر...

وتضامنا مع ما شهدته الشقيقة الجزائر من أحداث وتنكيل بالوطنييّن الجزائريّين، أقرّ هذا المؤتمر تنظيم اضراب عام يوم 20 نوفمبر 1937. وفي 8 جانفي 1938 اندلعت بمدينة بنزرت وضواحيها مظاهرات تحوّلت إلى أحداث دامية، أسفرت عن سقوط 13 شهيدا بكل من بنزرت وجرزونة ومنزل عبد الرحمان... وفي يومي17 و 18 ديسمبر 1937 عقد المجلس الملّي للحزب مؤتمره قدّم على إثره الدكتور محمود الماطري استقالته من الحزب.

وفي 29 جانفي 1938 نجح الحزب في افتكاك جامعة عموم العملة التونسيّين وإزاحة كاتبها العام المنتخب، بلقاسم القناوي. وفي ظلّ هذه الظروف الأليمة وهذا التصعيد الوطني، أصدرت الإقامة العامة بإيعاز من الكاتب العامة للحكومة قرارا يمنع رفع العلم التونسي والشعارات التونسية دعا الحزب إلى رفضها وعدم الامتثال لها.

وفي 12 مارس 1938 دُعي الأستاذ علي البلهوان إلى إلقاء محاضرة بقاعة السينما " فاريتي" Variété" بعنوان: " دور الشباب في المعركة الوطنية ". غير أنّ السلطات الفرنسية منعتها فأصرّ على إلقائها بمقرّ الحزب بباب سويقة. وفي 26 مارس قامت بفصله عن العمل بالمدرسة الصادقية. وبعد أيّام قامت بإيقاف العديد من قادة الحزب وفي مقدمتهم  سليمان بن سليمان ويوسف الرويسي والهادي نويرة بتهمة التحريض والتباغض.

الأسباب المباشرة

يجدر التذكير بأنّ الحزب الدستوري الجديد قد بادر بتوزيع روزنامة الجولات الدعائية على كافة أعضاء الديوان السياسي والمجلس الملّي، لأعضائه الذين سرعان ما شملهم القَمع الاستعماري كما سبق ذكره. فتمّ اعتقال عدد من أعضاء المجلس الملّي وأعضاء الديوان السياسي. وعلى إثر ذلك انتظمت يوم 7 أفريل 1938، مظاهرة احتجاجية ضمّت قرابة 2.500 متظاهر، توجّه على إثرها المنجي سليم عضو المجلس الملّي للحزب الدستوريّ إلى قصر الباي بحمّام الأنف لالتماس التدخّل لدى السلطات الاستعمارية والإفراج عن المعتقلين. وفي اليوم نفسه تمّ تعطيل جريدة "العمل" واعتقال 10 مناضلين بقنطرة الفحص.

أطوار الانتفاضة

مظاهرات 8 أفريل 1938

إثر هذه التطوّرات قرّر الديوان السياسي تنظيم إضراب عام يوم الخميس 8 أفريل 1938. وانطلقت في نفس اليوم مسيرتان بالعاصمة، خرجت إحداهما من ساحة الحلفاوين بقيادة علي البلهوان والأخرى من رحبة الغنم يقودها المنجي سليم. والتقت المسيرتان أمام الإقامة العامة حيث رفع المتظاهرون شعارات من أهمّها: "برلمان تونسي" و"حكومة وطنية" و "تسقط الامتيازات"... وقد بلغ عدد المتظاهرين بين 7 و 10 آلاف شخص.

آلاف التونسيّين يتظاهرن يوم 8 أفريل  1938 أمام الإقامة العامة بشارع جول فيري بتونس العاصمة رافعين شعارات: "لا بد من حكومة وطنية" و"السلطة للتونسيّين" و "تسقط الامتيازات"...

وفي هذا الاجتماع، ألقى زعيم الشاب علي البلهوان خطابا أمام مقرّ الإقامة العامة الفرنسية من أهمّ ما جاء فيه: "... جئنا في هذا اليوم لإظهار قوانا - قوة الشباب الجبارة التي ستهدم هياكل الاستعمار الغاشم وتنتصر عليه، جئنا في هذا اليوم لاظهار قوانا أمام هذا العاجز (يشير هنا إلى المقيم العام  "أرمون ڤيون" "Armand Guillon"، الذي كان يطلّ من شرفة السفارة الفرنسية)، الـــذي لا يقدر أن يدير شؤونه بنفسه ويتنازل عنها إلى السيّد " كارتون " (الكاتب العام للحكومة يومئذ) ذلك الغادر الذي يكيد للتونسيين الشرّ والمذلّة والمحق ويريد سحقهم في هذه البلاد لا قدّر الله!
ثمّ واصل الزعيم البلهوان خطابه قائلا: "يا أيّها الذين آمنوا بالقضيّة التونسية، يا أيها الذين آمنوا بالبرلمان التونسي، إنّ البرلمان التونسي لا ينبني الا على جماجم العباد، ولا يقام إلاّ على سواعد الشباب! جاهدوا في الله حق جهاده، اذا اعترضكم الجيش الفرنسي أو الجندرمة شرّدوهم في الفيافي والصحاري وافعلوا بهم ما شئتم، وأنتم الوطنيّون الدائمون في بلادكم وهم (أي الاستعماريون) الدخلاء عليكم!

بالله قولوا حكومة خرقاء سياستها خرقاء وقوانينها خرقاء يجب أن تحطّم وأن تداس، وها نحن حطّمناها ومزّقناها، فالحكومة قد منعت وحجّرت رفع العلم التونسي، وها نحن نرفعه في هذه الساحة رُغما عنها! والحكومة قد منعت التظاهر، وها نحن نتظاهر ونملئ الشوارع بجماهير بشريّة نساء ورجالا وأطفالا تملأ الجوّ هتافا وحماسا ".

بعد ذلك الخطاب الحماسي ساد سكون رهيب وإذا برئيس الحزب "المستقيل"، الدكتور محمود الماطري الذي ينضمّ إلى المظاهرة تضامنا مع الشعب. وفي وثبــــة يتناول بدوره الكلمة لينصح الشعب بالتعقّل والهدوء وعدم التصادم مع البوليس الفرنسي (ولا شك أنّه كان يرغب في تجنيب المواطنين كارثة الاصطدام مع قوات الأمن وبذلك اختلف مع الزعيم بورقيبة في طريقة العمل).

نساء تونسيات يتظاهرن يوم 8 أفريل 1938

مظاهرات 9 أفريل 1938

قبل تفرّق المتظاهرين، دعا الأستاذ علي البلهوان إلى تنظيم مظاهرة سلميّة يوم السبت 10 أفريل. إلاّ أن السلطات الاستعمارية عمدت في اليوم الموالي (أي يوم الجمعة 9 أفريل) إلى إلقاء القبض على الأستاذ علي البلهوان ممّا حدا بالجماهير إلى التجمّع أمام المحكمة الفرنسية بالقصبة تضامنا معه عند المثول أمام قاضي التحقيق. كما خرجت مسيرة نسائية ضمّت حوالي 80 إمرأة وفتاة رافعات الأعلام التونسية في القصبة. وبمجرّد وصول الجماهير إلى مكان المحاكمة وقع إطلاق النار على المتظاهرين فسقط العديد من الشهداء والجرحى إثر إطلاق النار من طرف قوات الأمن كما سقط العديد من قوات الأمن إثر هذه الاشتباكات الدامية. وكانت الحصيلة حسب سجلّ شهداء الوطن: 22 قتيلا وحوالي 150 جريحا، 12 سقطوا يوم 9 أفريل و 10 في الأيام والأسابيع الموالية بمستشفى عزيزة عثمانة. ولم يكن هؤلاء من العاصمة فحسب، بل من مدن وقرى وجهات مختلفة بالبلاد، جلهم من الكادحين والمهمّشين والعاطلين...، وتلاميذ المدارس والمعاهد وطلبة جامع الزيتونة... هذا وقد تحدّثت بعض الصّحف التونسيّة عن سقوط 122 قتيلا و 80 جريحا، فيما تحدّث مراسل جريدة "لوطان" الفرنسية عن 500 قتيلا ومراسل مجلة "الشهاب" الجزائرية في عددها الصادر في ماي 1938 عن 150 قتيلا. وفي المقابل فإنّ التقارير الرسمية للبوليس الفرنسي تفيد سقوط 17 قتيلا و 110 جريحا في صفوف التونسيّين.

وما إن سيطرت السلطات الاستعمارية على الوضع حتى استصدر المقيم العام من الباي أمرا لإعلان حالة الحصار على ثلاث مراقبات (العاصمة والساحل وبنزرت) كما تمّ في نفس اليوم اعتقال بورقيبة والمنجي سليم وأحيل القادة الدستوريّون على المحكمة العسكرية بتهمة "التآمر على أمن الدولة" وتمّ حل الحزب الدستوري الجديد في 12 أفريل 1938.

حصيلة الانتفاضة وتداعياتها على الحركة الوطنيّة

حصيلة بشريّة ثقيلة

إلى جانب كثرة القتلى والجرحى، قامت السلطات الفرنسية باعتقال ما لا يقلّ عن 900 وطني في كامل أنحاء البلاد، من مختلف الاتجاهات السياسية والشرائح الاجتماعية والفئات العمريّة من تلاميذ وطلبة وعمال وموظفين وعاطلين عن العمل...، 150 منهم أودعوا السجون بتهمة "حمل السلاح"... كما تمّ اعتقال كل زعماء الحزب وبدأ التحقيق معهم بتهم مختلفة من قبل القاضي العسكري "دي قيران دي كايلا "De Guérin De Cayla" بتهمة التباغض والحثّ على التقاتل والتآمر على أمن الدولة..."، وأعلنت سلط الحماية الحصار على البلاد في يوم 12 أفريل 1938 وأودعوا السجن المدني بتونس ثمّ السجن العسكري بتبرسق وأخيرا سجن كل من لمباز بالجزائر وحصن سان نيكولا (قرب مرسيليا) وسجن تراتس (قرب مدينة إيكس آن بروفانس) بفرنسا...

قوّات الأمن والجيش الفرنسي تمنع المتظاهرين من الاقتراب من مبنى الإقامة العامة بشارع جول فيري بتونس العاصمة يوم 8 أفريل  1938

تداعيات كثيرة وعميقة

ساهمت كل تلك الإجراءات في ركود العمل الوطني. غير أنّه قُبيل وإبّان اكتساح جيوش قوات المحور البلاد التونسية في نوفمبر 1942، شهدت البلاد تكوين دواوين سياسية سرّية أشرف عليها العديد من الوطنيّين الشبّان، جلّهم من الشخصيات غير المعروفة وطلبة جامع الزيتونة أو العائدين من الدراسة من فرنسا على غرار: الرشيد إدريس وحسين التريكي والحبيب ثامر والهادي خفشّة والباهي الأدغم ومحمود شرشور... ولم يستأنف العمل الوطني نشاطه العلني المعهود إلاّ خلال فترة ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

الدروس والعبر من "محنة" 09 أفريل 1938

لقد أقامت أحداث 09 أفريل 1938 الدليل على ما بلغه الشعب التونسي من وعي بحقوقه السياسية تجسّم في خروجه للمطالبة ببرلمان وطني: نساء ورجالا، شيبا وشبابا، مسيّسين ومهمّشين... وهو مطلب قابلته السّلطات الاستعمارية بالقمع والعسف والتنكيل... وأودى بسقوط عشرات الشهداء والجرحى وإيقاف المئات من زعماء ونشطاء الحركة الوطنية.

لعيد الشهداء دلالات رمزية أعمق بكثير من إقامة الاحتفالات الشكليّة الباهتة، لكونه عيدا يعكس حرب الإنسان على كل أشكال القهر والاستعباد والظلم والطغيان...، يعني أنّ للكرامة والحرية والانعتاق ثمن غالٍ وعزيز، وهو الدم، دم الشهداء الذين ضحّوا بحياتهم وسقطوا في ساحة الشرف كي يعيش أبناؤهم وأحفادهم أحرارا مكرّمين في بلدهم.

ورغم انتقال السّلطة إلى أيادي تونسيّة منذ 1956، لم يثمر الشّعار الذي رفعه متظاهرو 9 أفريل 1938، بل ظلّ البرلمان شعارا قابلا للإنجاز ومطمحا للتحقيق، لأنّ المؤسّسة التي أحدثت منذ الاستقلال لم تحمل من البرلمان سوى الاسم ولم تعكس أيّ سلطة حقيقية للشعب، الذي كان دوما في آخر حسابات واهتمامات السياسيّين وظلّ جهازا لتزكية الحاكم، الذي انفرد بجميع السلط.

لقد بقي الشّعب التونسي منذ "الاستقلال" وطيلة عقود عديدة فاقدا للسّيادة، مقصيّا عن الشأن السياسي العام، لا يقدر على اختيار نوابه بالمجلس الذين يُفرضون عليه فرضا، عبر انتخابات مزوّرة ويُلزم بطاعتهم والولاء لهم، محروما من أبسط حقوقه السياسيّة وفي مقدمتها حرّية التعبير والتّنظيم والاجتماع... كما بقي الشعب عرضة لقمع جهاز بوليسي ضخم ووحشيّ وهياكل الحزب الحاكم الواحد وشبكة الوشاة المرتبطة به ولم يتحقّق هذا الانعتاق إلا بعد انتفاضة الحرّي والكرامة التي أطاحت بالنظام الحاكم في 14 جانفي 2011!

خاتمة

رغم انتقال السلطة إلى نوّاب المجلس الوطني التأسيسي الذي أفرزته انتخابات 23 أكتوبر 2011 وشهداء ثورة الحرّية والكرامة، ورغم قيامه بعدة إنجازات من بينها إصدار دستور 27 جانفي 2014 وبعث عدة مؤسسات من بينها "هيئة الحقيقة والكرامة"...، فإنّ العديد من مكونات الشعب التونسي قد منعوا من التظاهر بشارع الحبيب بورقيبة يوم 9 أفريل 2012 والاحتفاء بهذه الذكرى الوطنية من قبل حكومة الترويكا وتعرّضوا للضرب والتنكيل...

واليوم لا يزال الشعب التونسي ينتظر الكثير من مجلس نوّابه (مجلس نواب الشعب المنتخب ديمقراطيا منذ 26 أكتوبر 2014)، لعلّ أبرزها تركيز مؤسّسات ديمقراطية حرّة تعمل في إطار الشفافية الكاملة لتكون حقّا صوت وضمير  الشعب التونسي الوفيّ لشهدائه، قبل الاستقلال وبعده. 

د. عادل بن يوسف

(كليّة الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة)